الأحمقان

 بقلم: سليمان ناصر الجراش  


قبل المغيب وعند سفح جبل شاهق وفي مكان منعزل، جلس اثنان من الحمقى يتحاوران لوحدهما. وشيئاً فشيئاً زحف الغروب ثم خيم الليل فبدا القمرُ مكتملاً ومضيئاً. فجأة رفع أحدهما عينيه إلى السماء وتطلع ملياً نحو القمر، ثم قال لصاحبه وهو في حالة انتشاء مفاجئة: "يبدو القمر رائعاً وقريباً جداً من قمة الجبل!".  

رد عليه الثاني، الذي اعترته هو أيضاً نوبة عارمة من التحمس: "ما رأيك في الصعود إلى قمة الجبل لنكون قريبين منه؟". فأجاب الأول وهو لا يكاد يعي ما يقول: "فكرة جيدة.. هيا بنا". وعلى الفور بدأ الأحمقان الصعود، وبعد معاناة شديدة قاسية وصلا إلى القمة، ثم تطلعا إلى أعلى فبدا لهما القمر بعيداً جداً.  

التفت الثاني نحو الأول وقال: "لا يزال القمر بعيد المنال! هل تعتقد أننا أخطأنا فلم نسلك الطريق الصواب؟". فرد الأول: "أتقصد العودة إلى السفح لنسلك طريقاً آخر؟". أجاب الثاني مستفسراً: "وهل سنصل إليه؟ أي هل سنطول القمر في المحاولة الثانية؟". رد الأول: "من الناحية النظرية يمكن أن تكون المحاولة الثانية ناجحة.. هل فهمت ما أقصد؟".  

قال الثاني: "أتقصد أنه عندما صوبنا النظر نحو القمر ونحن في السفح رأيناه قريباً من القمة؟". هتف الأول بنشوة: "يالك من صاحب عبقري بعيد النظر! لقد أدركت سريعاً ما أعني". لكن الثاني استدرك: "هناك أمرٌ يشغل بالي؛ إن النزول إلى السفح ثم الصعود مرة أخرى يكلفنا وقتاً طويلاً.. والوقت ياصاحبي كالذهب".  

رد الأحمق الأول بزهو: "هذا أمر بسيط؛ إن سفح الجبل قريب جداً، لا يبعد سوى خطوة.. بقفزة بسيطة يمكن الوصول إليه". ذهل الثاني وقال: "فعلاً! يالك من فذ! إنها ستكون قفزة نوعية يحسدك عليها عباس بن فرناس في قبره.. ما رأيك لو تقفز؟".  

تردد الأول وقال: "ولماذا لا تقفز أنت لتفوز بالريادة؟". فاعترض الثاني: "ولكنك صاحب الفكرة!". طمأنه الأول: "أريد لك الريادة، وإذا لم تنجح سأقفز بعدك، أعدك بذلك". سأل الثاني: "من يضمن لي أنك ستلحق بي؟". فأجاب الأول: "ألسنا صاحبين؟ السفح تحت قدميك ومسافته لا تبعد عن أرنبة أنفك".  

فجأة قاطعه الثاني صائحاً: "مادمنا رفاقاً فلنقفز معاً! هذا عدل، وبهذا نوفر الوقت ونسجل الريادة للتاريخ معاً". ولم يترك لزميله فرصة للاعتراض، بل جذبه بشدة فهويا معاً إلى السفح، مختزلين الزمن والمسافة إلى النهاية التي تليق بهما وبأمثالهما. 

تعليقات